انتعاش تاريخي.. سوق التأمينات يكسر حاجز 200 مليار دينار لأول مرة في المسار الاقتصادي
شهدت سوق التأمين في الجزائر تحولاً جذرياً ونقلة نوعية غير مسبوقة مع نهاية السنة المالية 2025، حيث استطاع القطاع ولأول مرة في تاريخه كسر حاجز المائتي مليار دينار، ليستقر رقم الأعمال الإجمالي عند عتبة 200.5 مليار دينار جزائري. هذا النمو الذي بلغت نسبته 8.8% يعكس حيوية اقتصادية لافتة وديناميكية متصاعدة في ثقافة التأمين لدى المواطن والمؤسسات على حد سواء، رغم التحديات التضخمية وتقلبات الأسعار العالمية. وتكشف القراءة المتأنية للأرقام الصادرة عن المجلس الوطني للتأمينات أن تأمينات الأضرار لا تزال تسيطر بشكل شبه مطلق على حصة الأسد في السوق، بنسبة استحواذ بلغت 82.7%، وهو ما يعادل قيمة مالية ضخمة قدرها 165.8 مليار دينار. وفي المقابل، سجلت تأمينات الأشخاص نمواً طفيفاً ومستقراً بنسبة 3.5%، لتصل قيمتها إلى 22 مليار دينار، مما يشير إلى وجود وعي تدريجي بأهمية التأمين على الحياة والصحة والسفر، وإن ظل بعيداً عن مستويات تأمين الممتلكات والسيارات.
ومن المثير للاهتمام في هذا المشهد المالي، البروز المفاجئ والانفجاري لنشاط التأمين التكافلي، الذي حقق نسبة نمو مذهلة بلغت 84.3% في ظرف سنة واحدة فقط. ورغم أن حجم هذا النشاط لا يزال محدوداً من حيث القيمة الإجمالية (حوالي 1.4 مليار دينار)، إلا أن سرعة نموه تعكس طلباً متزايداً من فئات واسعة من المجتمع الجزائري على المنتجات المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية. هذا النوع من التأمين، الذي يشمل كلاً من التكافل العام والعائلي، بات يمثل الرهان المستقبلي الأبرز لشركات التأمين التي تسعى لتنويع محفظتها المالية واستقطاب أموال الكتلة النقدية المتداولة خارج القنوات الرسمية، مما يساهم في تعميق الشمول المالي وتقديم بدائل عصرية تتناسب مع الخصوصيات الثقافية والدينية للسوق المحلية.
أزمة التعويضات العالقة.. 1.6 مليون ملف ينتظر التسوية وقيمة المطالبات تتجاوز 13 ألف مليار سنتيم
على الجانب الآخر من هذا النمو المالي الباهر، تبرز معضلة هيكلية كبرى تتمثل في تضخم حجم التعويضات العالقة أو ما يعرف بـ "الملفات قيد التسوية". فحسب البيانات الرسمية، ينتظر أكثر من 1.6 مليون جزائري الحصول على تعويضاتهم المالية، بقيمة إجمالية ضخمة تناهز 131.2 مليار دينار (أي ما يفوق 13 ألف مليار سنتيم). هذا الرقم يضع شركات التأمين في قفص الاتهام بخصوص وتيرة معالجة الملفات، حيث لا تزال البيروقراطية وتعقيدات الخبرة الفنية تعيق سرعة صب التعويضات لمستحقيها. وبالرغم من الجهود المبذولة لتقليص هذا المخزون، إلا أن فرع السيارات يظل المتسبب الأول في هذا التراكم بنسبة زيادة في قيمة الملفات العالقة بلغت 13.1%، يليه الفرع الفلاحي الذي قفزت فيه التعويضات غير المسددة بنسبة قياسية بلغت 83.5% نتيجة تراكم حوادث سابقة مرتبطة بالظروف المناخية وتقلبات الإنتاج.
وتشير الجداول الإحصائية إلى أن شركات التأمين قامت بتسديد حوالي 76.4 مليار دينار خلال سنة 2025 بزيادة قدرها 8% عن العام السابق، وهو مؤشر على تسارع وتيرة التسويات في بعض الفروع، خاصة في فرع الحريق والأخطار المختلفة الذي شهد غلق ملفات كبرى تعود لسنة 2024. ومع ذلك، لوحظ تراجع في عدد الملفات المسددة بنسبة 3.7%، مما يوحي بأن الشركات تعطي الأولوية للملفات ذات القيمة المالية المرتفعة على حساب الملفات الصغيرة والمتعددة. هذا التباين بين الأداء المالي المرتفع والفعالية العملياتية في غلق الملفات يخلق نوعاً من عدم الرضا لدى الزبائن، ويفرض على الهيئات الرقابية التدخل لفرض آليات زمنية صارمة تضمن حقوق المؤمن لهم وتساهم في تحسين صورة القطاع لدى الرأي العام الوطني.
قطاع السيارات.. القاطرة التي تقود السوق نحو الرقمنة الشاملة
يبقى تأمين السيارات هو المحرك الرئيسي والقلب النابض لسوق التأمينات الجزائرية، حيث يمثل وحده 47.6% من إجمالي نشاط تأمينات الأضرار، محققاً رقم أعمال قارب 79 مليار دينار. الملاحظ في أداء هذا الفرع هو التوجه المتزايد نحو الضمانات الاختيارية (غير الإلزامية) التي تستحوذ على 78% من مبيعات هذا الفرع، وعلى رأسها ضمان "كل الأخطار" الذي ينمو بنسبة 8.9% سنوياً. هذا التوجه يؤكد أن أصحاب المركبات باتوا يفضلون حماية استثماراتهم الخاصة في ظل ارتفاع أسعار السيارات وقطع الغيار، مفضلين دفع أقساط أعلى مقابل تغطية شاملة تحميهم من حوادث التصادم والسرقة والحريق، بدلاً من الاكتفاء بالتأمين الإلزامي البسيط الذي يغطي المسؤولية المدنية فقط تجاه الغير.
وفي خطوة نحو العصرنة، ساهمت الرقمنة بشكل فعال في تغيير سلوك المستهلك الجزائري، حيث ارتفع عدد تصريحات الحوادث المسجلة إلكترونياً عبر منصة "E-recours"، مما أدى إلى زيادة طفيفة في عدد الملفات المصرح بها لتصل إلى 1.26 مليون ملف. هذه المنصات الرقمية أتاحت للمؤمن لهم التصريح بحوادثهم بسرعة وشفافية، وقلصت من التدخل البشري في مراحل المعالجة الأولى. ومع ذلك، أدت الزيادات المتتالية في أسعار عقود التأمين نتيجة التضخم وارتفاع تكاليف التعويض إلى فقدان السوق لنحو 1.8 مليون عقد في الضمانات الاختيارية، حيث اضطر جزء من الزبائن للتخلي عن ميزات "المساعدة" و"كل الأخطار" لتوفير التكاليف، مما أدى إلى مفارقة غريبة: عقود أقل عدداً ولكنها أكثر قيمة مالية، وهو ما يفسر وصول رقم الأعمال إلى مستويات قياسية رغم ركود مبيعات السيارات الجديدة في فترات معينة.
مستقبل التأمين.. الرهان على التكافل وتحسين معدلات التسوية لتعزيز الثقة
بالنظر إلى المعطيات الحالية، يبدو أن مستقبل قطاع التأمين في الجزائر مرهون بمدى قدرته على معالجة "أزمة الثقة" الناجمة عن تراكم الملفات العالقة. فرغم تحسن معدل تسوية التعويضات من حيث القيمة ليصل إلى 39.2%، إلا أن التراجع في معدل التسوية من حيث عدد الملفات يشير إلى وجود فجوة تنظيمية يجب ردمها. الشركات مطالبة اليوم بالاستثمار الكثيف في الذكاء الاصطناعي وأنظمة المعلومات المتطورة لتقليص زمن معالجة الملفات من شهور إلى أيام، خاصة في الحوادث البسيطة التي تستنزف وقداً وجهداً كبيراً من المصالح العملياتية. كما أن التوسع في فتح الوكالات التجارية الجديدة وتطوير شبكات التوزيع التقليدية والرقمية سيساهم في الوصول إلى مناطق ظل تأمينية لم تكن مستغلة من قبل، مما يرفع من حجم الأقساط المكتتبة في السنوات القادمة.
كما أن وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات، من جهتها، تواصل ضبط الإيقاع الاقتصادي العام من خلال إلزام المتعاملين الاقتصاديين بإرسال الفواتير الشكلية المتعلقة ببرامج التجهيز قبل منتصف أفريل القادم، في خطوة تهدف لتنظيم الاستيراد وحماية التوازنات المالية. هذا التنظيم الحكومي، جنباً إلى جنب مع إصلاحات قطاع التأمين، يهدف لبناء منظومة اقتصادية متكاملة تتمتع بالشفافية والقدرة على مواجهة المخاطر الكبرى. وفي النهاية، تظل الأرقام المحققة في 2025 بمثابة شهادة ميلاد جديدة لقطاع التأمين الجزائري، الذي انتقل من مرحلة "التسيير الإداري" إلى مرحلة "النمو المالي الحقيقي"، مع بقاء التحدي الأكبر هو تحويل هذه المليارات إلى تعويضات ملموسة تصل إلى جيوب 1.6 مليون مواطن ينتظرون حقوقهم المالية بفارغ الصبر.
إن استمرار هذا النسق التصاعدي سيتيح لشركات التأمين لعب دورها الطبيعي كمستثمر مؤسساتي ضخم في الساحة المالية الوطنية، من خلال توظيف هذه السيولة الكبيرة في مشاريع تنموية كبرى أو في بورصة الجزائر. ومع دخول قانون التأمينات الجديد حيز التنفيذ وتحرر المبادرات الخاصة بشكل أكبر، من المتوقع أن تشهد سنة 2026 منافسة شرسة بين الشركات العمومية والخاصة، مما سيصب حتماً في مصلحة المؤمن له من حيث جودة الخدمة وتنافسية الأسعار، ويجعل من قطاع التأمين ركيزة صلبة في بناء "الجزائر الاقتصادية" التي تطمح لتحقيق نمو مستدام بعيداً عن تقلبات أسعار المحروقات.
الخلاصة
حقق قطاع التأمين في الجزائر رقم أعمال تاريخياً تجاوز 200 مليار دينار في 2025 بنمو قدره 8.8%، مدفوعاً بنشاط تأمين السيارات والتأمين التكافلي الذي انفجر نموه بنسبة 84%. ورغم هذا الأداء المالي القوي، يواجه القطاع تحدياً كبيراً بوجود 1.6 مليون ملف تعويض عالق بقيمة 131.2 مليار دينار، مما يفرض على الشركات ضرورة تسريع الرقمنة وتحسين وتيرة تسوية الحوادث لضمان حقوق الزبائن واستدامة الثقة في السوق.
🧤 نبض الجزائر بين يديك 📸
اشترك الآن لتصلك أقوى الأخبار الحصرية والتغطيات الميدانية من قلب الجزائر في كافة المجالات! 🇩🇿

تعليقات
إرسال تعليق