ديناميكية إصلاحية.. الجزائر تفتح ورشات تكوين كبرى لرفع مستوى الامتثال المالي
تؤكد المؤشرات الميدانية أن الجزائر قد قطعت أشواطاً متقدمة وجدية في مسار تجفيف منافذ تبييض الأموال وتشديد آليات المتابعة والرقابة المالية، حيث انتقلت الدولة في المرحلة الحالية من التركيز على الرقابة الصارمة إلى استراتيجية التكوين الأفقي والعمودي لكافة الفاعلين في المنظومة المالية والقانونية. ويهدف هذا التحول النوعي إلى توحيد الممارسات المهنية ورفع مستوى الامتثال للمعايير الدولية، بما يضمن تطبيقاً فعالاً ومستداماً لآليات الوقاية من الجرائم المالية. وتشمل هذه الورشات التكوينية المكثفة فئات واسعة من القضاة، المدققين، المحاسبين، ومحافظي الحسابات، بالإضافة إلى المتعاملين الاقتصاديين والمهنيين القانونيين، وذلك في إطار سعي البلاد للخروج السريع والمستحق من "القائمة الرمادية" لمجموعة العمل المالي "غافي" خلال السنة الجارية 2026.
وفي هذا السياق، شهد يوم 30 مارس 2026 تنظيم يوم تكويني متخصص حول "التدقيق المالي المبني على المخاطر" بالتعاون بين الهيئة التطوعية للخدمات المالية ومجلس المحاسبة، بمشاركة نوعية من القضاة والمدققين. وركز هذا اللقاء على الانتقال من التدقيق التقليدي الورقي إلى التدقيق الحديث الذي يعتمد على تحليل المخاطر الجوهرية وتقييم أنظمة الرقابة الداخلية بشكل رقمي. كما تم التأكيد على دور نظم المعلومات وتحليل البيانات الضخمة في كشف الاختلالات المالية ورصد المؤشرات المبكرة للتجاوزات، مما يعزز من مصداقية البيانات المالية للهيئات العمومية الجزائرية أمام الشركاء والمؤسسات الدولية، ويؤكد الرغبة الصادقة في تبني أفضل الممارسات العالمية لتعزيز الشفافية المطلقة في إدارة المال العام وحمايته من أي ثغرات محتملة.
تأهيل مهني شامل.. 13 قطباً وطنياً لتكوين محافظي الحسابات وتكريس الشفافية
بالتوازي مع هذه الجهود، أعلنت الغرفة الوطنية لمحافظي الحسابات عن إطلاق برنامج وطني ضخم للتكوين المستمر لسنة 2026، يستهدف فئة محافظي الحسابات الجدد عبر 13 قطباً جهوياً موزعة على كامل التراب الوطني. ويتضمن هذا البرنامج تنظيم سبع دورات تكوينية متخصصة تمتد من شهر ماي إلى غاية سبتمبر، بحجم ساعي إجمالي يصل إلى 42 ساعة تأهيلية. ويهدف هذا المسعى إلى ضمان التحكم الكامل في المعايير الدولية للتدقيق (إيزا)، وتحسين جودة مهام التصديق على الحسابات، مع التركيز الشديد على ترسيخ مبادئ الأخلاقيات المهنية والاستقلالية والحوكمة الرشيدة. وتسعى الغرفة من خلال هذه المبادرة إلى تقليص الفوارق المهنية وتوحيد المنهجيات المتبعة في الرقابة المالية، مما ينعكس إيجاباً على دقة التقارير المالية الصادرة عن المؤسسات الاقتصادية الجزائرية.
علاوة على ذلك، تكثفت في الآونة الأخيرة الدورات التكوينية المتعلقة بآلية "التصريح بالمستفيد الحقيقي"، والتي نظمتها غرف التجارة والصناعة عبر ولايات عديدة. وتعد هذه الآلية ركيزة أساسية في التشريعات الجديدة الرامية لمكافحة تبييض الأموال، حيث تفرض على الشركات والجمعيات الكشف الدقيق عن هوية الأشخاص الذين يملكون أو يسيطرون فعلياً على الكيانات القانونية بنسبة 20% أو أكثر. وقد تم التشديد خلال هذه اللقاءات على أهمية احترام الآجال القانونية للتصريح عبر المنصات الرقمية للمركز الوطني للسجل التجاري، مع التنبيه إلى العقوبات الصارمة التي قد تصل إلى الحبس والغرامات المالية في حال الإخلال بهذه الالتزامات. إن إدماج الرقمنة في هذه العمليات يساهم بشكل مباشر في بناء قاعدة بيانات دقيقة تتيح للجهات الرقابية تتبع العمليات المالية بلحظية وشفافية تامة.
وفي سياق المحطات الحاسمة، يرتقب أن يقوم وفد من مجموعة العمل المالي "غافي" بزيارة تقييمية إلى الجزائر خلال شهر أفريل المقبل، للاطلاع على مدى التقدم المحرز في تنفيذ التوصيات الدولية. وتكتسي هذه الزيارة أهمية استراتيجية بالغة، حيث ستكون بمثابة الاختبار الحقيقي لنجاعة الإصلاحات القانونية والهيكلية التي باشرتها البلاد. إن مجمل هذه التحركات تؤشر إلى وجود إرادة رسمية صلبة لبناء منظومة مالية عصرية ومحصنة، تعتمد على التكوين المستمر والرقمنة الشاملة، مما يعزز ثقة المستثمرين الدوليين في الاقتصاد الوطني ويدعم موقع الجزائر كدولة ملتزمة بالشفافية المالية والنزاهة في التعاملات الاقتصادية على الصعيدين الإقليمي والدولي.
واستخلاصاً لما سبق، تظهر الجزائر اليوم كورشة مفتوحة للإصلاح المالي والمحاسبي، حيث لم يعد الهدف مجرد الخروج من القائمة الرمادية، بل تأسيس ثقافة وقائية عميقة لدى كافة المتدخلين في الاقتصاد الوطني. إن الجمع بين تحديث الإطار القانوني وتأهيل العنصر البشري وتفعيل الأدوات الرقمية يمثل الضمانة الوحيدة لاستدامة هذه الإصلاحات. ومع اقتراب موعد الزيارة التقييمية لوفد "غافي"، تضع الجزائر اللمسات الأخيرة على منظومة رقابية متكاملة تنهي حقبة الرقابة الصارمة وتبدأ مرحلة جديدة من الثقة والنمو الاقتصادي المبني على أسس متينة من الحوكمة والشفافية التي تخدم المصلحة العليا للبلاد وتصون مقدراتها المالية.
الخلاصة
تنتقل الجزائر من مرحلة الرقابة الصارمة إلى استراتيجية تكوين شاملة للفاعلين الماليين والقضائيين، بهدف الخروج من "القائمة الرمادية" لمجموعة العمل المالي (غافي) خلال عام 2026. وتتضمن هذه الإصلاحات دورات مكثفة حول التدقيق المبني على المخاطر، وبرامج تأهيلية لـ 13 قطباً وطنياً لمحافظي الحسابات، إضافة إلى تشديد إجراءات "المستفيد الحقيقي"، وذلك قبل الزيارة الحاسمة لوفد "غافي" المرتقبة في أفريل المقبل لتقييم مدى نجاعة هذه التحولات الرقمية والقانونية.
🧤 نبض الجزائر بين يديك 📸
اشترك الآن لتصلك أقوى الأخبار الحصرية والتغطيات الميدانية من قلب الجزائر في كافة المجالات! 🇩🇿

تعليقات
إرسال تعليق