الطاقة ⛽ الجزائرية.. إعادة رسم خارطة النفوذ في حوض المتوسط
يتحرك القطاع الطاقوي الجزائري اليوم عند تقاطع ثلاث دوائر حاسمة: أمن الإمدادات الأوروبية، تعظيم العائد الاستخراجي، وإعادة تشكيل المزيج الطاقوي الوطني على أسس أكثر استدامة. فالمؤشرات الدولية لا تضع الجزائر فقط في خانة المنتجين الكبار للغاز في إفريقيا، بل تكشف أيضاً أنها بصدد توظيف ثقلها الهيدروكربوني كرافعة لإعادة هندسة موقعها داخل سلاسل القيمة الطاقوية العالمية. وتؤكد التقارير الصادرة عن هيئات دولية مرموقة، مثل إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، أن الجزائر نجحت في تثبيت مكانتها كشريك استراتيجي وموثوق، مستفيدة من بنيتها التحتية المتطورة وقدرتها على التكيف السريع مع تحولات الطلب العالمي، خاصة في القارة الأوروبية التي باتت تعتمد بشكل متزايد على الغاز الجزائري لتأمين احتياجاتها الحيوية.
وتترجم هذه المكانة إلى أرقام تعكس سيادة طاقوية واضحة؛ حيث يمثل الغاز الطبيعي 69% من الاستهلاك الأولي للطاقة في البلاد، بينما يساهم بنسبة 98% في توليد الكهرباء وطنيًا بقدرة مركبة تصل إلى 22.6 غيغاواط. هذا المعطى يوضح أن أي انتقال طاقوي جزائري لا ينطلق من فراغ، بل من اقتصاد غازي صرف تقريباً، وهو ما يفسر لماذا يُقرأ ملف الطاقات المتجددة في الجزائر بوصفه مساراً استراتيجياً لإعادة ضبط التوازنات التصديرية وتحرير كميات إضافية من الغاز نحو الأسواق الدولية، بدلاً من كونه مجرد بديل تقني. إن الرسالة الجزائرية واضحة: الغاز ليس مجرد سلعة للبيع، بل هو أداة لبناء قوة تفاوضية طاقوية طويلة المدى تضمن مصالح البلاد الاقتصادية والجيوسياسية.
إنتاج قياسي وصادرات غازية تعزز أمن الطاقة في الاتحاد الأوروبي
في قلب هذه البنية الاستراتيجية، يظل الغاز هو الأصل الأعلى قيمة، حيث بلغ إنتاج الجزائر من الغاز الجاف مستوى قياسياً عند 3.7 تريليونات قدم مكعبة في عام 2023، متجاوزاً المعدلات المسجلة خلال العقد الأخير. ويرتبط هذا الصعود بتوسعات المنبع الكبرى، ولا سيما في حقل حاسي الرمل العملاق، وتوظيف تكنولوجيات حديثة لرفع معامل الاستخلاص. وتكشف بيانات "S&P Global Commodity Insights" أن الجزائر زودت الاتحاد الأوروبي بنحو 39.2 مليار متر مكعب من الغاز في عام 2024، ما يعادل 14.4% من إجمالي واردات الاتحاد، وهي حصة مرشحة للارتفاع في ظل العقود الجديدة والطلب الأوروبي الملح على تأمين بدائل مستقرة وبعيدة عن التوترات الجيوسياسية في مناطق أخرى.
وتستند هذه التدفقات إلى جهاز تصدير متماسك يضم محطتي تسييل عالميتين في أرزيو وسكيكدة، بالإضافة إلى شبكة أنابيب مباشرة تربط السواحل الوطنية بإيطاليا وإسبانيا. ففي عام 2023 وحده، صدّرت الجزائر نحو 1.9 تريليون قدم مكعبة من الغاز، منها 1.2 تريليون قدم مكعبة عبر الأنابيب، والبقية في شكل غاز طبيعي مسال (LNG). هذه التعددية في قنوات التصدير تمنح الجزائر ميزة تنافسية نوعية، حيث تظهر كمورد قريب وقادر على التحرك السريع في "السوق الفورية" لتلبية الطلبات العاجلة للشركاء الأوروبيين، مما دفع المفوضية الأوروبية لوصفها في عام 2026 بأنها "شريك استراتيجي لا غنى عنه" في معادلة أمن الطاقة القارية.
استثمارات مليارية مع إيني وسينوبك لفتح آفاق الاستكشاف الجديدة
لضمان استدامة هذا الثقل الطاقوي، دفعت الجزائر بقوة نحو إعادة فتح واجهة الاستثمار الدولي في قطاع الاستكشاف والتطوير. وشهد عام 2025 توقيع عقود استراتيجية كبرى، أبرزها عقد تقاسم الإنتاج مع شركة "إيني" الإيطالية بقيمة 1.35 مليار دولار لتطوير محيط "زمول الكبير" بحوض بركين. هذا المشروع، الذي يمتد لـ 30 سنة، يهدف لإنتاج 415 مليون برميل مكافئ نفطي، مع التركيز على الحلول الرقمية والمحتوى المحلي. كما عززت الجزائر شراكتها مع "سينوبك" الصينية بعقد قيمته 850 مليون دولار لتطوير محيط حاسي بركان الشمالي، مما يؤكد نجاح قانون المحروقات الجديد (19-13) في جذب كبار الفاعلين الدوليين وتكثيف المنافسة على الأصول المنجمية الوطنية.
هذا الحراك الاستثماري يمتد ليشمل قطاع التكرير والسوائل البترولية، حيث تواصل الجزائر الحفاظ على جودة "خام الصحراء" الذي يحظى بطلب عالٍ في المصافي العالمية نظراً لانخفاض نسبة الكبريت فيه. ومع بدء أشغال مصفاة حاسي مسعود الجديدة في فبراير 2025، تتجه البلاد لرفع طاقة التكرير الوطنية لتقليل استيراد المواد المكررة وتعظيم القيمة المضافة داخلياً. إن هذه العقود ليست مجرد صفقات تجارية، بل هي حزم متكاملة تجمع بين البحث، التكنولوجيا، ونقل المعرفة، مما يضمن بقاء سوناطراك كقاطرة للاقتصاد الوطني وقدرتها على مواكبة المعايير الدولية في الإنتاج الصديق للبيئة.
الانتقال نحو الهيدروجين الأخضر والربط الكهربائي العابر للمتوسط
التحول الأهم في الرؤية الطاقوية الجزائرية هو الدخول الفعلي في اقتصاد الهيدروجين والطاقات المتجددة. فبروكسل باتت تقرأ الجزائر اليوم ضمن معادلة الطاقة منخفضة الكربون، من خلال مشروع ممر "SoutH2" الاستراتيجي لنقل الهيدروجين نحو أوروبا، وتطوير دراسات الجدوى لربط كهربائي بحري يربط الجزائر بإيطاليا. وقد أطلق برنامج "TaqatHy+" في أبريل 2025، بدعم أوروبي وألماني، لتسريع مشاريع الهيدروجين الأخضر ودمجها في النظام الكهربائي الوطني، مما يفتح واجهة تصديرية جديدة للجزائر تتجاوز بيع الجزيئات الهيدروكربونية إلى تصدير الطاقة النظيفة والمستدامة.
وتسير هذه الجهود بالتوازي مع برنامج طموح لتركيب 15 غيغاواط من الطاقة الشمسية بحلول عام 2035، حيث شرعت شركات دولية بالفعل في إنجاز محطات كبرى مثل محطة حاسي الدلاعة (362 ميغاواط). هذا التوجه يهدف أساساً لتقليل حرق الغاز محلياً وتوجيهه للتصدير، مع الالتزام بقواعد "الميثان" الأوروبية الصارمة التي ستدخل حيز التنفيذ في 2027. إن التحدي الحقيقي يكمن في خفض حرق الغاز (الذي وصل لـ 289 مليار قدم مكعبة) ورفع الكفاءة الطاقوية، لأن الغاز الجزائري الأكثر تنافسية مستقبلاً سيكون هو الأقل بصمة كربونية، وهو ما تعمل عليه سوناطراك حالياً عبر تحديث منشآتها والامتثال للمعايير البيئية العالمية.
الخلاصة
تؤكد التقارير الدولية لعام 2026 أن الجزائر أعادت هندسة نموذجها الطاقوي لتصبح ركيزة أمن الطاقة الأوروبي بنسبة 14.4% من واردات القارة، مستندة إلى إنتاج قياسي قدره 3.7 تريليونات قدم مكعبة من الغاز وعقود استثمارية مليارية مع شركاء دوليين، بينما تسرع الخطى نحو اقتصاد الهيدروجين والربط الكهربائي لضمان موقع سيادي في سلاسل الطاقة النظيفة مستقبلاً.
الجزائر تدخل نادي الـ 60 الكبار عالمياً بصادرات تتجاوز 48 مليار دولار وفائض تجاري لافت.
🧤 نبض الجزائر بين يديك 📸
اشترك الآن لتصلك أقوى الأخبار الحصرية والتغطيات الميدانية من قلب الجزائر في كافة المجالات! 🇩🇿

تعليقات
إرسال تعليق